السيد رضا الصدر

24

محمد ( ص ) في القرآن

نعم ، رجعت إلى طريق التقدّم ، وما أفضل هذه الرجعة ! إنّ كلّا من الملك والحيوان ينظر بعين واحدة ، فالملك فاقد للعين اليسرى فلا يرى الأمور المادّيّة والرغبات الطبيعيّة ، والحيوان فاقد للعين اليمنى فلا يرى الأمور الروحيّة والمثالية . وميزة الكائن البشري : أنّه كائن من روح يجمع بين الروح والمادّة ، فهو حيّ قد جمع العينين : اليمنى واليسرى معا ، فإذا نظر بعينه اليمنى وحدها انصرف عن جانبه المادّي ، ونقص نفسه بتكريس معنويته ومثاليته وبمعاداة رغباته الطبيعيّة ، وصار عدوّ نفسه كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام . وإذا نظر بعينه اليسرى - فحسب - وأهمل جانبه الروحيّ وجعل غايته المثلى إشباع شهواته وإرواء رغباته فهو ظالم لنفسه ، حيث قد نزّلها عن مستوى البشر إلى حضيض الهمجية والحيوانية . وهذه الازدواجية هي التي مكّنت البشر من اختيار غاية لهم ، وهذا هو الطابع الخاصّ به ، ذاك الذي به امتاز البشر عن الحيوان والملائكة . وجّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله الإنسان إلى النظر بكلتا عينيه ، وأرشده إلى السلوك للصراط المستقيم ، لا إلى اليمين ولا إلى اليسار ، وصدّه عن الالتواء إلى أحد الجانبين ؛ لأنّ ذلك تنكّب عن الطريق . وقدّم منهاجا يصعد به الإنسان في مدارج الرقيّ الإنساني ، وسمح له بتحقيق ما تصبو إليه نزعاته والتمتّع بمتع حياته . ولكنّه جعل لذلك حدّا ، وهو أن لا ينتهي إلى الظلم ، ظلم نفسه وظلم غيره . ولم يكتف بدعوة الإنسان إلى المثل والفضائل ، بل وجّهه إلى طريق يسلكه إلى الرقّيّ الحضاريّ والحياة المادّيّة السعيدة . فهو قد جاء لإسعاد الإنسان في دينه ودنياه . إنّ الباحثين في علم التأريخ يعرفون أنّ الرقيّ الذي وصل إليه البشر في الحضارة والعلوم والفنون والمعارف بعد محمّد صلّى اللّه عليه وآله لا يقاس به ما وصلوا إليه من قبل .